الإرهاب :هو كل ما يتصل بعمل أو حركة أو قول تمارسه جهة ما خروجا عن القانون ، بهدف نشر الفوضى والاضطراب وتعكير صفو الأمن والاستقرار وإيقاع الضرر المادي والمعنوي على جهة أخرى تلبيه لحاجة لا سبيل لنيلها أو الحصول عليها إلى بواسطته وبأقصر وقت وبأمضى وسيلة (أي عن طريق العنف وسحق القانون).
وعموما فالإرهاب هو عمل شاذ يفتقر إلى المبادئ السامية والقيم الإنسانية .
وهو حالة غير طبيعية في العلاقات الإنسانية وظاهرة مأساوية تسود بعض أركان المجتمع الدولي وتهدد أمنه واستقراره .. ولا يعتبر ارهان كل ما يتصل بالنضال الوطني والدفاع عن الحقوق المشروعة.. كالمقاومة الشعبية الوطنية والكفاح المسلح الوطني بكل أشكاله والذي تمارسه حركات التحرر ضد الاحتلال والاضطهاد والاستغلال الأجنبي ، كالنضال العربي الفلسطيني الذي تقوده فصائل منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.وكذلك نضال الشعوب المقهورة في أماكن أخرى من العالم لنيل الحرية والاستقلال والحياة الكريمة، ومكافحة جميع أنواع التدخل الأجنبي في الشؤون الوطنية لمقاصد السيطرة والهيمنة على مقدراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغيرها... وقد أقر المجتمع الدولي في كثير من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة شرعية أعمال النضال الوطني والكفاح المسلح ، وأهمها القرار رقم 3034 الصادر في الدورة (28) لعام 1973 والقرار رقم 6140 الصادر في الدورة (40) في 9/12/1985 واللذان اعتبرا النضال الوطني والكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والهيمنة الأجنبية أمرا مشروعا، فلا يشجبها أحد أو يدينها ويعطل ممارساتها ونشاطاتها أبدا...
والإرهاب إما أن تمارسه أجهزه غير رسمية ذات اختصاص بعمليات الإرهاب كالعصابات والشبكات الإجرامية ، والجماعات والحركات ذوات الاحتراف والاختصاص في شؤون الإرهاب ، وإما أن تمارسه رسميا إحدى الدول منفردة أو بالتعاون مع دول أخرى ضد مناوئيها أو ضد حركات التحرر الوطنية أو ضد رعايا دولة مجاورة أو غير مجاورة ، وهذا ما يطلق عليه اسم الإرهاب المنظم أو الإرهاب الدولي ، وهي تسمية حديثة لم يسبق ممارستها من قبل بواسطة دولة من دول العالم ، وقد يتواصل ويتظافر النوعان - الرسمي وغير الرسمي - للقيام بأعمال إرهابية محددة ضد طرف آخر، وربما يؤدي هذا النوع إلى نزاع مسلح بين الطرفين - (دولتين)-..
والإرهاب بنوعيه يعتمد نظاما دقيقا وصارما في تنفيذ عملياته ومخططاته، وله عقل مدبر (رئاسة) وخلايا متنوعة وقواعد وتنظيمات سرية تعمل جميعها بتخطيط دقيق وبإمكانات علمية ومهنية وتقنية حديثة ، ولها مقومات مادية كبيرة ، ويكون أعضاؤها إرهابيين محترفين ليس لهم وظيفة اجتماعية أو أي دور آخر في مجالات الحياة الأخرى ...
والإرهاب يأخذ أشكال متعددة المقاصد والدوافع والغايات ... فأما أن يكون إرهابا فكريا وسياسيا وطائفيا أو جسديا ، أي يأخذ نوع الإرهاب المعنوي ، وتتم مزاولته وتنفيذه بأساليب ومسالك متنوعة وفعالة، منها القتل السريع (الاغتيال) والخنق الخفي والطعن القاتل والضرب المبرح حتى النزع الأخير والاغتصاب وترويع الناس واختطاف الأشخاص والطائرات والسفن والمراكب (القرصنة الجوية والبحرية) أو بالتهديد والوعيد المباشر وغير المباشر والتشهير والابتزاز ، وإيقاع الأضرار المعنوية الشخصية بوسائل النشر والصور والإشاعات وخلق جو من الرعب والذعر بإحدى أساليب الحرب النفسية ... وأما أن يكون إرهابا ماديا ، أي تدمير وحرق وهدم أتلاف العقارات والممتلكات العائدة للأشخاص أو للدولة ، أو نسف الطرق والجسور والمركبات ووسائط النقل والمواصلات البرية والجوية والبحرية أو عرقلة حركتها بغية إيقاع أفدح الخسائر فيها....
وإما أن يأخذ الإرهاب كلا النوعين معا - المعنوي والمادي- في وقت واحد لهدف واحد وربما لعدة أهداف , كالإرهاب الصهيوني الذي تمارسه المنظمات الأهلية والمؤسسات الرسمية في(إسرائيل) ضد السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم وعقاراتهم ومزارعهم ، ولا تخلو بعض المجتمعات الدولية في الوقت الحاضر من ظاهرة الإرهاب الرسمي - الدولي - , أو الإرهاب غير الرسمي جراء توفر عوامل وظروف طارئة غير اعتيادية تفرض على إحدى الجهات سلوك طريق الإرهاب لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية أو دينية وطائفية قد تكونت وسط أجواء غير طبيعية في العلاقات بين الأطراف والمجتمعات...
والإرهاب ظاهرة خطيرة على الأمن الإنساني ينبثق ويولد وينمو في مجتمع تسوده الفوضى والتفكك الاجتماعي والأخلاقي , ويفتقر إلى القيم والمعايير الإنسانية والشجاعة الأدبية , وينتشر في ربوعه البؤس والإفلاس السياسي والأخلاقي ، وإجمالا" فالعمل الذي يقع تحت مظلة الإرهاب لا يعبر عن قوة وبأس وشجاعة القائمين به أو من يقف خلفهم بالعون والتشجيع بقدر ما يعبر عن نوازع الشر والحقد والعدوان والضعف والجبن والعجز واليأس والعزلة الاجتماعية والسياسية والافتقار إلى أركان التحضر والرجولة والفروسية ، فلا بد للمجتمع الدولي المتحضر أن يتحمل المسؤولية في اجتثاث جذوره ومنابعه الأصلية والقضاء على أوكاره وكهوفه وإزالة مسبباته ومحاربة وسائله وأدواته , والمخططين له في الأعداد والتنفيذ سواء كان إرهابا فرديا وجماعيا أو إرهابا رسميا تمارسه أي دولة من دول العالم وأي منظمة ومؤسسة ذات الميول الإرهابية والعنصرية ، لقد وقفت في طليعة الجهات الرسمية التي تمارس الإرهاب الدولي الكيان الصهيوني و الدولة العظمى - أمريكا- ، ولكل منهما منظمات وعصابات ومؤسسات ودوائر كثيرة.
الإرهاب الدولي:
فالامبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية هما عنوان وركائز الإرهاب الدولي... فالمنظمات والعصابات الصهيونية العاملة في إسرائيل وبعض من دوائرها الرسمية وعلى رأسها دوائر جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) ودوائر استخبارات جيش الاحتلال الإسرائيلي جميعها قد مارست الأعمال الإرهابية بشكل مكثف ضد زعماء فصائل المقاومة الفلسطينية في الداخل والخارج ، وضد السكان العرب الذين لن يغادروا وطنهم فلسطين ولن يهاجروا إلى أي بلد عربي آخر أو غير عربي وقد تمسكوا بشعار (خلقنا في فلسطين ونموت في فلسطين) ، فكانت العمليات الإرهابية الصهيونية ضدهم تتم بتأييد وتشجيع وتحريض وتمويل المؤسسات الأمريكية وعلى رأسها دوائر وكالة المخابرات المركزية ودوائر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون).
إن مسلسل العنف الإرهابي الصهيوني قد بدأ مع ظهور بوادر الحركة الصهيونية في عام 1897 في أوروبا والولايات المتحدة حيث زاولت الحركة الصهيونية الإرهاب قبل تأسيس (الكيان الصهيوني في عام 1948 ، ويقول الإرهابي (وايزمن) في مذكراته (التجربة والخطأ) في وصف الحالة في فلسطين عام1914 ما يلي :
((يستطيع الإنسان أن يلمس هنا وهناك تحللا للأخلاقية الصهيونية التقليدية, ويلمس بدلا منها مسحة من الروح العسكرية وارتماء في أحضانها , بل أكثر من ذلك لجوءا" إلى العنف والإرهاب واستعدادا للتعاون مع الشر كقوة لها فوائدها في تحقيق الوطن القومي لليهود)) وقد أصبح الإرهاب الصهيوني في مرحلة لاحقة تجسيدا لهوية إسرائيل التي تعتبر بحق بؤرة الإرهاب الدولي والعقل المدبر للأعمال الإرهابية التي يعتمد العنصرية والعدوانية سلوكا وسبيلا في مزاولتها ضد القادة الفلسطينيين البارزين , وضد الكوادر والفئات السياسية القيادية لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية وممثليها العاملين داخل أو خارج فلسطين , وضد الشخصيات العربية السياسية والفكرية والعلمية المناضلة .
كما برزت حركة الإرهاب العنصري الصهيوني بعد ولادة (الكيان الصهيوني) اشد فاعلية بارتكاب العمليات الإرهابية البربرية ضد السكان العرب العزل كالقتل والطرد والتهجير , وتدمير أتلاف وحرق ممتلكاتهم العقارية والزراعية والتجارية والصناعية و وتخريب قراهم ومساكنهم , وارتكاب المذابح والمجازر الجماعية ، مثلما حدث في مجزرة كفر قاسم (47 شهيدا) ومجزرة دير ياسين (251 شهيدا) مع نسف جميع منازل ومساكن القرية , ومجزرتي قرية قبية (66) شهيدا و45 منزلا , ومجزرة تل الزعتر (2000 شهيدا) ، وقد شملت هذه المجازر الرجال والنساء والشيوخ والأطفال , ومجزرة خان يونس (275 شهيدا) ، (بعد أن جبت البلاد منطقة منطقة , استطعت أن أتأكد أن الصهاينة الإسرائيليين بالغي الوحشية والإرهاب في مواقفهم حتى مع غير المقاتلين من العرب ... إن قرى عديدة قد نسفتها المنظمات الإرهابية اليهودية وأخلتها من سكانها العرب رغم أنها لم تشترك في الحرب ، لقد كانت تطرد العرب من قراهم ثم تدمرها حتى لا يستطيع أهلها أن يعودوا إليها أبدا)) .
إن العمليات الإرهابية الوحشية التي يرتكبها في كل حين اليهود الصهاينة بحق السكان العرب الفلسطينيين وغير الفلسطينيين أصبحت أمرا مألوفا لديهم وملازما لحياتهم ، وهي غذاؤهم وشرابهم قد ورثوه من آبائهم وأجدادهم من قبل ومن بعد المسيح عليه السلام , وكأنها تراث التوراة ... وهذا الإرهابي (مناحيم بيغن) يقول في كتابه (الثورة) ما يؤيد ذلك ولم يتنكر للنزعة الإرهابية لدى اليهود ، ( من الدم والنار والدموع سيخرج نموذج جديد من الرجال, نموذج غير معروف البته للعالم في الألف والثماني السنين الماضية : اليهودي المحارب الإرهابي , أولا وقبل كل شيء , يجب أن نقوم بالهجوم : بالدم والعرق سينشأ جيل متكبر كريم قوي ) .
كما برهن الواقع العملي بأن الإرهاب الصهيوني هو الرمز الأعلى للعنصرية الصهيونية والظهير الطبيعي لها, بل انه يقوم أحيانا بوظيفة إعادة بناء وصياغة الشخصية اليهودية التي يدعي أقطاب اليهود الصهاينة بأنها تحمل سمات بطولية خارقة لليهود ولا مثيل لها في العالم ، (لقد برهنت إسرائيل على أنها دولة إرهابية , ناهيك عن أعمال العنف والإرهاب التي ارتكبتها ضد العرب , بل وصل الأمر إلى حد اغتيال (الكونت برنادوت) وسيط الأمم المتحدة بطريقة وحشية على أيدي الإرهابيين اليهود.. وكان (المهاتما غاندي) صريحا في انتقاده لإسرائيل لهذا العمل الشنيع إذ قال : (لقد ولدت إسرائيل في جو من الإرهاب وترعرعت في جو من العنف والإرهاب) ، ولا يتورع اليهود الصهاينة في ارتكاب الأعمال الإرهابية أبدا ضد أي جهة تقف حائلا ضد أهدافهم حتى ولو ضد أولئك الذين حققوا لهم مكاسب سياسية واجتماعية , وتحالفوا معهم في تنفيذ مخططاتهم الاستعمارية في المنطقة ، ونقصد بذلك ضد بريطانيا التي احتضنت كافة أهداف الصهيونية العالمية ، فلقد قتل الصهاينة جنديين بريطانيين قبيل ولادة الكيان الصهيوني في عام 1948 ومثلوا بجثتيهما بصورة وحشية بشعة , ثم علقوا الجثتين على الأشجار لأكثر من يوم , مما يدل على تغلغل روح الإجرام والوحشية والإرهاب في نفوسهم ضد كل البشر، فلا يصدهم عن ذلك رادع أخلاقي , ولا تثنيهم علاقات وأعراف قانونية أو دبلوماسية عن ارتكاب أبشع جرائم الأرهاب ، وعن هذا الحادث فقد كتبت الصحيفة البريطانية (كوفنتري) في شهر أيار من عام 1948 حيث تواجه الوقائع بصراحة , بمقال جاء فيه : (أن الرأي البريطاني قد أبدى سخطه ونقمته ليس فقط على يهود فلسطين , بل على اليهود البريطانيين , لأنهم- أي يهود بريطانيا - أيدوا ولو بالعاطفة أعمال أولئك الإرهابيين الصهيونيين في اغتيال الجنود البريطانيين والتمثيل بجثثهم ، ولهذا كان من الطبيعي أن تتضاعف الكراهية والنقمة ضد اليهود , وتكون خطرا داهما يتهدد جميع يهود بريطانيا , أن لم يبادر العقلاء إلى وضع حد لهذه الأعمال الإرهابية).
وعلى العموم فالعمليات الإرهابية التي ينفذها اليهود الصهاينة هي إما أن ينفذها مباشرة جهاز (الموساد) بالإشراك مع بعض دوائر الجيش الإسرائيلي ,أو تديرها إحدى مؤسسات الحكومة الإسرائيلية ، وفي كلتا الحالتين قد يشترك ببعض الأدوار بعض أعضاء الكنيست المتطرفون الذين يتطوعون للأعمال الإرهابية , خاصة ضد السكان العرب في فلسطين .. ويشير أصبع الاتهام بالدليل القاطع إلى اشتراك جهاز وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ببعض الأعمال الإرهابية الصهيونية تنسيقا وتنفيذا..
وفي كثير من الأحيان يتم تنفيذ العمليات الإرهابية بواسطة المنظمات والعصابات الصهيونية العاملة في فلسطين نيابة عن جهاز (الموساد) مثل منظمة (غوش ايمونيم) مؤسسها الحاخام (دروكمان) وحركة (كاخ) ومؤسسها الحاخم الأمريكي الجنسية (كاهانا) وعصابة(تحيا) و(منظمة الإرهاب ضد الإرهاب) .. وتقوم أحيانا (إسرائيل) بتوكيل شبكات وعصابات المافيا المنتشرة في بعض بلدان العالم , أو بتكليف البعض من الصهاينة المستوطنين أو المتطرفين منهم للقيام بالعمل الإرهابي بعد أن توفر لهم الحكومة الإسرائيلية الأموال والوسائل والمعدات والخبراء من الموساد بهدف إيقاع أفدح الخسائر المادية بأهل البلاد , وترويعهم وإشاعة الخوف والهلع في نفوسهم لجعل حياتهم في بلدهم فلسطين قائمة دوما على الرعب والفزع والعذاب النفسي , ثم تهجيرهم من وطنهم وأرضهم تحت وطأة الإرهاب... ومعنى هذا فأن الإرهاب الصهيوني يشكل سمة أساسية من سمات الفكر الصهيوني وجزء" لا يتجزأ من الأيديولوجية الصهيونية , ويمارس في كثير من الأحيان بشكل رسمي منهجي منظم في إطار سياسة الدولة , أي انه يشكل الركن الأساسي لنظام الحكم الصهيوني في إسرائيل ، ويسترشد به أقطاب الحكم فيها وفق سياق المخطط العام لمحاور السياسة العامة خصوصا أولئك الذين يتناوبون كراسي السلطة دون غيرهم ، كالإرهابيين (بيفن وشارون وابا ايبان وبيريز ودايان وشامير واسحق رابين وليفي اشكول ويعقوب ميريدور وإبراهيم شتيرن ويوسف بورغ والحاخام كاهانا وبيتر برجسون كورك وغيرهم من الجوقة الإرهابية ‘ أو السابقون منهم إلى ذلك (هرتزل وبن غوريون وحاييم وايزمان ) الذين يعتبرون من غلاة الإرهاب الصهيوني ... فكانت مسيرتهم السياسية والعسكرية والتآمرية ضد السكان العرب حافلة بالعمليات الارهابية البربرية البشعة الموسومة بالعنصرية والبطش والمجازر الرهيبة قبل وبعد ولادة (الكيان الصهيوني) . إن مصرع الوسيط الدولي (الكونت برنادوت) على يد الإرهابي الصهيوني (الياهو شوا كوهين) العضو في عصابة (شتيرن) في إحدى شوارع القدس بتاريخ 17/9/1948 يشكل برهانا ساطعا ودليلا قاطعا على عنف الإرهاب الصهيوني العنصري ضد الناس الأبرياء بمجرد وجود أو حدوث اختلاف جزئي في الرأي بمسألة ما أو بقضية ما , يكون مسارها ومدارها مخالف لرغبات المخططات الصهيونية أو تكون على نقيض من أهداف السياسة الصهيونية .. (هذا وإذا ما علمنا ان الوسيط الدولي (برنادوت) هو ابن أخت الملك (غوستاف) الذي اقترح على إدخال تعديلات جوهرية على قرار الأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين بحيث تصبح القدس وصحراء النقب من حصة العرب , يكون عندئذ هذا الاقتراح مضافا إليه تصريحات (برنادوت) حول مشروعية حقوق العرب بوطنهم فلسطين سببا رئيسا في دفع عصابة شتيرن إلى تكليف أحد أعضائها الإرهابيين للقيام بتنفيذ عملية اغتياله بالتواطؤ مع رئيس الوزراء آنذاك الأرهابي (بن غوريون ) .. ولنا في محاولة حرق المسجد الأقصى في 21/8/1969 ثم محاولة نسفه في شهر ك 2-1984 خير دليل على الإجرام الصهيوني البشع في ظل الإرهاب ضد المقدسات العربية والإسلامية .. كما ولنا في تقرير لجنة (كاهان) المكلفة بالتحقيق عن جرائم مجازر مخيمات صبرا وشاتيلا أثناء الغزو الصهيوني الإسرائيلي الإثم على لبنان عام 1982 , وكذلك تقرير لجنة (كارب) المكلفة في التحقيق بالعمليات الإرهابية المنفذة في فلسطين ضد السكان العرب في شباط 1984برهان ساطع على ضلوع نظام الحكم الصهيوني في فلسطين رسميا بكل العمليات الإرهابية التي نفذها عملاء (الموساد) بحق هؤلاء السكان ,إذ قد حمل هذان التقريران اتهاما صريحا ضد الحكومة الإسرائيلية لرعاية وتمويل وحماية الأشخاص الإرهابيين الذين كلفوا بتنفيذ المجازر الهيبة ضد أهل فلسطين ...
فالإرهاب الصهيوني ركن ثابت وبارز من أهداف الصهيونية العالمية ضد العرب والإسلام يستخدم كركيزة قوية من مرتكزاتها في الصراع العربي - الصهيوني , ولا يتوقف عند حدود فلسطين العربية فحسب , بل يتعداها ويتخطاها إلى أماكن ومناطق أخرى خارج فلسطين, مثل تفجير القنابل بالقرب من المعابد اليهودية ببغداد لترويع اليهود وحملهم على الهجرة إلى فلسطين فأن ذلك يخضع دائما في طبيعته وأساليبه وأهدافه إلى عوامل استعمارية وعنصرية متأصلة في نفوس اليهود الصهاينة , ومتطابقة مع طبيعة تركيب المجتمع اليهودي ونزعته الشريرة ضد الإنسانية , ومتوافقة مع الغرس الصهيوني المعبر عن الحقد والكراهية والبطش والكيد للعرب .
لذا فأن الإرهاب الصهيوني العنصري جزء لا يتجزأ من مظاهر الصراع العربي - الصهيوني , وعامل فاعل من عوامل استمرار لهيبة واتساع نطاقه داخل وخارج فلسطين ليشمل عمليات إرهابية واسعة الانتشار تشترك في تنفيذها أطراف دولية غير صهيونية وفي مقدمتها أمريكا وبريطانيا اللتان تتقاسمان الأدوار الرئيسة مع (الكيان الصهيوني) في العمليات الإرهابية , وتقفان دوما مع الجانب الصهيوني ، (انه من السهل جدا رفع الصوت بالإعلان عن أن اليهود هم الإرهابيون , وهم المسؤولون وحدهم عن الجرائم الوحشية التي حدثت في الأرض المقدسة وخارجها... ولكن من هو المسؤول عن الإرهابيين ؟؟ ، إن كل واحد منا - نحن اليهود- يتحمل شيئا من المسؤولية... ولكن الوزر الأكبر يقع على عاتق الأمريكيين الذين ساندوا هؤلاء الإرهابيين , ومن بينهم فريق من الشيوخ وأعضاء الكونجرس ورجال الصحافة ودور النشر والكتاب , وعدد من أغنياء اليهود الذين ساعدوا العمليات الإرهابية ماديا ومعنويا .
وهكذا أصبح (الكيان الصهيوني) بمؤازرة وتأييد أمريكا وبريطانيا الضالعتين معه في الإرهاب الدولي في مأمن حصين يقيه الإدانة الدولية والمسؤولية القانونية من المحافل الدولية وهيئة الأمم المتحدة عن كل العمليات الإرهابية التي يمارسها ضد السكان العرب داخل فلسطين أو ضد الأقطار العربية القريبة من حدوده أو المجاورة له ، مثل العملية الإرهابية على مطار بيروت في عام 1973 ، وكذلك اغتيال ثلاثة من ابرز قادة منظمة التحرير الفلسطينية بتاريخ 13/4/1973 في وسط شارع فردان - بيروت - وهم : كمال عدوان و أبو يوسف النجار وكمال ناصر ‘ ومن بعدهم المناضل أبو حسن سلامة والأديب والكاتب الفلسطيني غسان كنفاني و المناضل الكبير أبو جهاد في تونس ، والقادة الشيخ احمد ياسين و الرنتيسي وأبو علي مصطفى والكثير من الكوادر المناضلين من الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة : (كما أن العصابات الصهيونية تعادي وتحارب أي عالم أو مفكر عربي وترسم الخطط للقضاء على العقول العربية ، مثل حادثة اغتيال العالم الذري المصري يحيى المشد في باريس ‘ وكذلك تفجير مساكن الشخصيات الفلسطينية في ألأراضي المحتلة مثل بسام الشكعة وغيره وقطع أرجلهم وأجزاء أخرى من أجسادهم إمعانا في محاولات القضاء على القيادات العربية وإشاعة الإرهاب بين أوساط شعبنا الفلسطيني .(8)
يضاف إلى كل ذلك عملية القرصنة الجوية من قبل الطائرات الإسرائيلية ضد الطائرة الليبية وإسقاطها في صحراء سيناء ، وكذلك الغارة الجوية على مفاعل (تموز) النووي في بغداد بتاريخ 7/6/1981 ، والغارة الجوية على مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط - تونس - بتاريخ 01/1/1985 والتي أيدتها رسميا أمريكا بتصريح رسمي جاء فيه : ( إن الرد التأديبي الإسرائيلي على الهجمات الفلسطينية هو رد شرعي وتعبير عن الدفاع عن النفس) ، مما دفع وشجع إسرائيل إلى القيام بمزيد من العمليات الإرهابية الوحشية ضد العرب. أما إذا القينا نظرة موجزة على حصيلة العمليات الإرهابية الإسرائيلية أبن انتفاضة الشعب الفلسطيني من عام 2000 إلى 2005 ، وحسب التقرير الصادر عن مركز المعلومات الوطني الفلسطيني ، نجدها تتمثل بالتالي :
- استشهاد 4009 من بينهم 742 طفلا و 261 امرأة.
- قصف 316 مدرسة وهدم 69843 منزلا . من 26-9-2000 حتى 28-2-2005 ، يضاف إليهم 82 شهيد لم يتم تسجيلهم .
- الجرحى 44500 بالإضافة إلى 8435 جريحا تلقوا العلاج ميدانيا دون نقلهم إلى المستشفيات .
أما إذا أضفنا الإرهاب النفسي والعنصري ، فيمكننا أن نقدم الأمثلة الكثيرة التي تصف العرب بأقذر الوصف ويمكننا تقديم مثل يدل على رؤية صفوة المجتمع الإسرائيلي في رؤيتهم للعرب ، فهذا المحاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا ، يقول في محاضرة له أمام الطلبة اليهود بما فيهم طلبة عرب : إن العرب يبحثون عن الجشع والجنس والكحول ، لا يمكن الثقة بهم ، إنهم أغبياء ولم يقدموا شيء للإنسانية . وواصل المحاضر ويدعى دافيد بقاعي وصف العرب بالقتلة وبالمجرمين في طبعهم .
والمدعو دافيد بقاعي له كتابا تحت عنوان (مخاطر الإسلام المتطرف) أوصى الجيش الإسرائيلي أن يقوم بتصوير المعتقلين الفلسطينيين أثناء اهانتهم وعرض الصور على عائلاتهم كي يشاهدوا أولادهم الجبناء حسب قوله . وهو القائل أيضا ، إن الجريمة تسري في عروق العرب في كل مكان في العالم .
في حين نجد العكس عند قادة العرب وزعماء منظمة التحرير الفلسطينية وأركان فصائل المقاومة الفلسطينية وجميعهم يشجبون كل عمل إرهابي يقع في العالم بغض النظر عن هوية القائمين به سواء كانوا من رعايا الدول الأجنبية أو من الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات غير مشروعة ليست لها صفة الكفاح المشروع والنضال الوطني ، أو أنهم في الوقت ذاته غير مخولين رسميا بالقيام بأي نشاط مماثل من قبل المنظمة أو من قبل إحدى فصائلها ضد بعض المؤسسات الصهيونية والممتلكات الأجنبية أو الدينية ‘ مثلما حدث من عمليات إرهابية في المعبد اليهودي في مدينة باريس أوفي اليونان وايطاليا وبريطانيا وتركيا مؤخرا . إن أقطاب الإرهاب الصهيوني يحاولون بعد تنفيذ أية عملية إرهابية ضد العرب القيام بنشاط إعلامي مكثف وحملات دعائية كاذبة بنطاق واسع في أوساط الرأي العالمي عن طريق أجهزة الأعلام الأمريكي والغربي بقصد الخداع وتشويه الحقائق وتغطية جرائمهم وطرح ادعاءات كاذبة من أنهم ينفذون العمليات الإرهابية ردا على عمليات الإرهاب العربي الموجه نحو مؤسساتهم الحكومية والتجارية والدينية داخل وخارج فلسطين , لدفع المسؤولية القانونية والأدبية والمادية المترتبة عليهم نتيجة قيامهم بالعمليات الإرهابية , ويجعلون من هذا النشاط الإعلامي والدعاية الكاذبة ستارا كثيفا لنواياهم العدوانية , وتشويها لصورة كفاح المواطن الفلسطيني أمام الرأي العام العالمي , باعتبار أن هذا الرد هو عمل مشروع دفاعا عن النفس ، فأصبح الرأي العام العالمي غاطسا في الوهم والخداع الإعلامي المعادي ولا يرى في الكفاح الفلسطيني من أجل الأرض والعرض إلا عملا إرهابيا غير مشروعا... إن مسيرة الإرهاب الصهيوني تمخضت عنها زعزعة الأمن والاستقرار في العالم وخلقت الفوضى والاضطراب النفسي في المجتمعات الدولية , وأدت في كثير من الأحيان إلى تخريب المساعي السلمية لإحلال السلام والأمن في المنطقة العربية , وتسببت في حدوث ماسي وكوارث للشعب العربي الفلسطيني الذي ينشد دوما السلام والحرية والإخاء والتعايش السلمي الإنساني المثالي مع كل الأمم والطوائف.
فالمسيرة الإرهابية الصهيونية القائمة على الترابط العضوي مع الفكر الصهيوني أوقدت نيران الصراع العربي - الصهيوني في كل مكان وزمان , وزادته سعيرا على مر الأيام بدءا" من أول موجات الهجرة اليهودية الجماعية إلى فلسطين في أوائل القرن العشرين والتي استوطنت الأرض المقدسة واغتصبتها من أصحابها الشرعيين , وانتهاء" بميلاد (إسرائيل) واستمرارا ليومنا هذا .. (احتل العنف والإرهاب في الفكر والتطبيق الصهيونيين مرتبة عالية تضعه على قدم المساواة أو ربما أعلى أحيانا من العقائد الأخرى المكونة للصهيونية ، والمقصود هنا بالطبع هو العنف الرجعي المتخلف الذي يتخذ أشكالا متعددة , ويسلط ليس فقط ضد الأغيار وإنما ضد اليهود أيضا وحتى الصهيونيين الذين يختلفون في الرأي مع تطرف الأيديولوجية الصهيونية ، كما إن العنف لدى الصهيونية يشكل عقيدة ومتنفسا ووسيلة لإثبات الذات , وعن طريقه يتم التنفيس عن الشحنات الزائدة من مشاعر الكراهية تجاه جميع الأمم والشعوب الأخرى نتيجة العقد الدينية القديمة وكثافة الدعابة الصهيونية المتعصبة ، ثم أن العنف أخيرا هو وسيلة لإثبات الذات وإقناع الأغيار واليهود بالدرجة الأولى بأنهم قد تحرروا وأصبحوا قادرين على إلحاق الأذى والضرر بالغير , وبالعرب خاصة انتقاما وتعويضا عما لحق اليهود من إذلال واضطهاد طيلة قرون طويلة في أوروبا) .
ولم تكن أمريكا إلى وقت قريب دولة إرهابية تمارس الإرهاب ضد العرب , لكن تشابك مصالحها الاقتصادية والسياسية مع مصالح الصهيونية العالمية في المنطقة العربية , وبضغط من اللوبي الصهيوني في أمريكا , وخضوع قادتها ورؤسائها لمشيئة أقطاب الصهيونية قد دفعها إلى الانحدار الشديد نحو هاوية الإرهاب الدولي كعضو فعال في نادي الإرهاب الدولي يدا بيد مع الإرهاب الصهيوني والدول والعصابات الإرهابية الأخرى لدرجة أصبح الإرهاب جزء" وركنا من أركان سياستها العدوانية ضد حركات التحرر في العالم .. وهي قبل أن تولد سفاحا كانت مجتمعا عنصريا قد اضطهد ودمر وأباد سكان أمريكا الأصليين - الهنود الحمر - ، فأمريكا بشعبها ومدينتها القائمة على الاستعلاء والعجرفة ظلت صغيرة لحد ما , فانسحبت إلى مأوى الإرهاب ونزلت إلى درك ممارسته ضد الشعوب الآمنة بل وتتفاخر به , وهو ما لم تفعله أخطر العصابات الإرهابية ، إن العالم المتمدن لا ينسى أن أمريكا هي التي نسفت جهود السلام الدولية في المنطقة العربية , ومارست الأعمال الإرهابية في لبنان تضامنا مع الإرهابيين البريطاني والصهيوني , وهي التي انغمست في ارتكاب العمليات الإرهابية والعدوانية على القطر العربي المصري في حادثة اختطاف الطائرة المصرية التي كانت في طريقها من ايطاليا إلى القاهرة وعلى متنها طاقمها المصري وبرفقتهم زعيم عربي فلسطيني , وهي التي قامت بالعدوان على القطر العربي الليبي في الغارة الجوية على العاصمة الليبية - طرابلس - وبالذات على مقر الرئيس معمر القذافي بالتعاون مع الأسطول الأمريكي وبالتنسيق مع بريطانيا في نيسان 1986 بدعوى أن عملية النادي الليلي في برلين والتي راح ضحيتها أمريكي واحد إنما كانت بتدبير رسمي من الحكومة الليبية .. ولا ننسى كذلك تواطؤ أمريكا مع إسرائيل في عملية اختطاف الطائرة الليبية في4/2/1986 من قبل المقاتلات الإسرائيلية وهبوطها في مطار عسكري في حيفا ... مع العلم أن هذه العمليات الإرهابية السافرة التي قامت بها أمريكا بالتعاون مع بريطانيا وإسرائيل على أقطار عربية قد حدثت بلا مبررات قانونية وأخلاقية أو اقتصادية وسياسية اللهم إلا رضوخا منها لمشيئة الصهيونية العالمية , وتعبيرا للمخططات الإرهابية التي تعتمدها سياستهما الخارجية نحو العرب ودول العالم الثالث .
وبدلا من لجوء أمريكا إلى منطق الحق والعدل وقواعد الأخلاق والقيم الإنسانية لحسم القضايا والمشاكل السياسية والاقتصادية ذات الصلة بالصراع العربي – الصهيوني , وسلوك السبل القانونية لميثاق الأمم المتحدة وقواعد الأعراف الدولية , نجدها وحليفتها بريطانيا بالإشتراك مع الصهيونية العالمية يكثرون من النباح والصياح ضد العرب الإرهابيين , ويرون أن لغة العنف والإرهاب والعدوان هي اللغة الوحيدة التي يجب التحدث بها مع كل العرب وحتى مع الذين تنعتهم أمريكا بالعرب المعتدين (المخدوعين بهذه التسمية) والذين وصل بهم الأمر إلى اعتبار أمريكا هي صديقة العرب في الشدائد والمحن , وإنها صادقة الوعود والالتزامات السياسية , بل وأكثر من ذلك يعتبرونها حليفة العرب في صراعهم ضد الصهيونية وربيبتها إسرائيل , في الوقت الذي يرى فيه القائمون على تخطيط وتنفيذ عمليات الإرهاب الأمريكي والصهيوني ضد بعض الأقطار العربية بأن ذلك هو الرد العقلاني الحاسم على عمليات الإرهاب العربي الصادرة من تلك الأقطار العربية ضد مصالحهما المشتركة , وقد تناسوا أن جذور العنف والإرهاب لا تنبت في التربة العربية إطلاقا , ولا يتوفر لها المناخ الملائم للنمو في دنيا العرب، إنما أولئك الذين زرعوا العنف والتحدي في نفوس العرب قاطبة , وسلبوا بلادهم وأرضهم واستقلالهم ظلما وعدوانا وطردوهم من ارض أجدادهم واغتصبوا ممتلكاتهم , ودنسوا مقدساتهم بأقدام حثالات البشر , هم الذين دفعوا العرب إلى العنف والتحدي المشروع لرد العنف والإرهاب غير المشروع القائم على التعسف والظلم .. وما دروا أن (الإرهاب) العربي ليس إرهابا , بل انه الكفاح والنضال من أجل دفع حالة اليأس والإحباط في إحلال السلام في أرض السلام وإعادة الحق إلى أصحابه الشرعيين وتعميم الاستقرار والاطمئنان في المنطقة العربية ، (ولذلك مهما تعالت صيحات الإدارة الأمريكية وبعض حليفاتها عن مقاومة ما تسميه بالإرهاب بقوة السلاح فالواقع إن جذور العنف و(الإرهاب) ليست موجودة في أي قطر عربي , وإنما في مخيمات الفلسطينيين , حيث يعيش أكثر من مليون فلسطيني في ظروف مأسوية تتسم بالإذلال والاستياء المتصاعد ضد اسرائيل وحلفائها ، فالأرقام تقول انه قد ولد نحو (1,2) مليون ومأتي ألف فلسطيني بعد حرب 1948 التي كانت سببا في وجود المخيمات الأولى , ومنهم اكثر من نصف مليون تحت سن الخامسة عشر عاما , حيث لم يزل وعيهم يتشكل في ظروف أكثر مأسوية ، وتستقبل المخيمات في هذه الآونة الجيل الرابع من الفلسطينيين الذي ينتظر أن يشب في ظروف أكثر مأسوية مما عليه الآن ما لم يتم التوصل إلى تسوية عادلة ، إن قضية الشعب العربي الفلسطيني المحروم هي القضية الوحيدة التي بقيت بلا تسوية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية , وبدون تسوية مقبولة فلسطينيا , لن يكون أمام أعداد متزايدة من هؤلاء إلا ولوج طريق العنف , فهو الطريق المفتوح أمامهم لتجاوز حالة المهانة والحروب من حالة المخيمات الذليلة , والشعور بالاحترام الذاتي والتحول إلى فلسطينيين فاعلين أو(إرهابيين) باللغة الأمريكية - الإسرائيلية , وبالتالي فهم يشكلون موردا لا ينضب من المتطوعين للقيام بأي عمل يضر بإسرائيل وحلفائها حتى لو كان الأمر يضر بالقضية الفلسطينية وأحيانا على صعيد الرأي العام العالمي أو على الأقل لا يخدمها في شيء )(10)
ورغم كل ثوابت انتماء أمريكا إلى نادي الإرهاب الدولي صحبة الإرهاب الصهيوني , وقيامها بممارسات إرهابية ضد العرب وغير العرب , لكننا نجد الرئيس الأمريكي (رونالد ريغان) يحاول تغطية هذا الانتماء الفاضح ، فيدعوا العرب إلى التعاون مع أمريكا للقضاء على الإرهاب الذي أطلق عليه تسمية غير بريئة (لعنة العصر الحديث) , ويوضح للعرب ( إنكم مثل الأمريكيين ضحية الإرهاب , وعلينا مكافحته سويا) ، وقد تناسى أمرين : الأول هو أن سكان فلسطين العرب داخل فلسطين وخارجها هم ضحايا الإرهاب الصهيوني حليف الإرهاب الأمريكي , فكيف يتسنى للعرب مكافحة الإرهابيين , والثاني هو أن بلاده - امريكا - قد تصدرت قائمة الدول الرئيسة المصدرة للسلاح إلى الأنظمة والحكومات الإرهابية في العالم .
وأراد (ريغان) تبرئة بلاده من وصمة الإرهاب وهو يعلم أن فلسطين قد اغتصبها الصهاينة بفعل الإرهاب الدولي الثلاثي - الإرهاب الأمريكي والبريطاني والصهيوني - ،إنهم يقفون وراء الإرهاب تمويلا وتشجيعا تارة , وينفذونه ضعفين تارة أخرى ضد العرب الأبرياء ... كما أن (ريغان) قد طور مفهوم الإرهاب الدولي الذي تمارسه أمريكا حيث اعتبر أن كل اعتداء على حياة أي مواطن أمريكي - مجرد اعتداء - هو بمثابة اعتداء على الولايات المتحدة بالذات مما يقتضي الرد الفوري على البلد الذي ينتمي إليه القائم بالاعتداء ... ثم وسع هذا المفهوم حيث اعتبر أن كل عمل إرهابي يقع في العالم هو مصوب نحو أمريكا وحلفائها مما يلزم اتخاذ إجراءات حازمة ضده حتى ولو عاني الأبرياء الأذى من جراء ذلك ... ولأجله فقد أعدت الولايات المتحدة قوات عسكرية خاصة سميت بـ (قوات مكافحة الإرهاب) ... علما أن هذه القوات في الحقيقة قد أعدت لعمليات الإرهاب وليس لمكافحتها , بل إن الباعث الحقيقي لتشكيلها هو تنفيذ عمليات إرهابية على البلدان العربية تضامنا مع الإرهاب الصهيوني أو التستر عليه , وتحديدا , على البلد العربي الذي ينتمي المواطن العربي والذي تعتبره أمريكا بلدا إرهابيا يضم مواطنا إرهابيا .
ولأجله فقد أصدر (ريغان) في 3/4/1984 أمرا رئاسيا كوثيقة رسمية تمنح صلاحيات واسعة للإدارة الأمريكية في اتخاذ إجراءات وتدابير وقائية لإجهاض ومقاومة كل ما تعتبره عمليات إرهابية ضد مصالح الولايات المتحدة , والتعاون والتنسيق مع الدول الحليفة لتبادل المعلومات بشأن عمليات الإرهاب ورموزها , والقيام بعمل جماعي عسكري أو فرض عقوبات اقتصادية وسياسية ضد الدول التي تتبنى الإرهاب أو تحمي الإرهابيين وتمدهم بالعون والمساعدة ... وقد امتدح (ريغان) في سطور هذه الوثيقة الأسلوب الذي يتبعه اليهود الصهاينة في مقاومة الإرهاب - ويقصد به مقاومة النضال العربي - , وأشار إلى إمكانية الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية في هذا المجال ... وبديهي فأن المقصود من هذه الوثيقة هو إيجاد السبيل الرسمي للولايات المتحدة لتنفيذ عمليات إرهابية ضد الأقطار العربية بالدرجة الأولى واستغلال عمليات النضال العربي سبيلا لتنفيذ مخططاته الإرهابية نحو العرب , وإبقاء المشكلات الإقليمية بين العرب والكيان الصهيوني قائمة على قدم وساق بانتظار توجيه عمليات إرهابية أمريكية - صهيونية ضد القطر العربي المنتخب لتلك المخططات .
والجدير بالذكر فأن هذه الوثيقة الأمريكية جاءت على خلاف لنص إعلان الأمم المتحدة المرقم 2131 الصادر في 21/12/1965 بشأن الأعمال الإرهابية والذي تؤكد فيه الفقرة - ب - (لا يجوز لأي دولة استخدام التدابير الاقتصادية أو السياسية أو أي نوع آخر من التدابير , أو تشجيع استخدامها لإكراه دولة أخرى على النزول عن ممارية حقوقها السياسية أو للحصول منها على أية مزايا ، كما انه لا يجوز لأي دولة تنظيم الأنشطة الهدامة أو الإرهابية أو المسلحة التي تهدف إلى تغيير الحكم في دولة أخرى بالعنف أو مساعدة هذه الأنشطة أو التحريض عليها أو تمويلها أو تشجيعها أو التغاضي عنها أو التدخل في الصراع الداخلي الحاصل في أية دولة أخرى ).
وهذا يدلنا بالتأكيد على أن أمريكا قد سقطت في هاوية الإرهاب الدولي , وكأنها بتلك الوثيقة أرادت تقديم الدليل الرسمي بأنها أصبحت طرفا رئيسا في عمليات الإرهاب ضمن دائرة الصراع العربي - الصهيوني بالتضامن مع (إسرائيل). وقد أعقب (ريغان) وزير خارجيته (جورج شولتز) في تفسير الإرهاب الأمريكي الدولي بأنه عمل عسكري عنيف وشجاع ومباشر ضد الإرهاب .. فقد قال في المؤتمر الثاني للإرهاب الدولي الذي نظمه وأقامه في واشنطن معهد (جوناثان) في عام 1984 ما يلي: (إن ما تعلمناه عن الإرهاب قبل كل شيء , هو انه عنيف غير عشوائي , وانه عمل موجه , وله هدف , وهو أينما يحدث , يكون موجها إلى حد كبير ضدنا نحن الديمقراطيين وضد قيمنا الأساسية , وعلى الأغلب ضد مصالحنا الإستراتيجية الأساسية ، أننا لا يجب أن نتبع إستراتيجية ايجابية ودفاعية حقيقية ضد الإرهاب فحسب , وإنما يجب أن نقوم بعمل عسكري عنيف وشجاع ومباشر ضد مراكز الإرهاب , كالحملة الإسرائيلية في لبنان عام 1982 ).
أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية بجامعة نيويورك الدكتور (بيرتون ريزر) فأنه يفهم نضال حركات التحرر الوطني بأنه عمل إرهابي وفقا للمفهوم الأمريكي ، فقد قال في هذا المؤتمر بالذات ما يلي : (أن الإرهابيين كمنظمة التحرير الفلسطينية يجب أن يوصفوا بصراحة ووضوح بأنهم خطر على السلام والنظام العالميين وتهديد للحضارة) (13).
هكذا يرى ( جورج شولتز ) أن غزو لبنان بالعنف والإرهاب والعمل الوحشي البربري والقيام بالمذابح والمجازر - مجزرتي صبرا وشاتيلا - بأنه عمل عسكري شجاع ومباشر ضد الإرهاب ... ويرى أستاذ القانون ( بيرتون ريزر ) أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الخطر المباشر على السلام والنظام العالميين ‘ لكنهما إزاء الأعمال الإرهابية الصهيونية في لبنان ومثلها في فلسطين قبل وبعد عام 1948 والتي تسببت في ذبح الفلسطينيين في لبنان ‘ وطردهم من وطنهم الأصلي - فلسطين - إنما يعتبر ذلك حقا مشروعا للصهاينة .. وبذلك يصبح في نظرهما القاتل مقتولا ويتحول المقتول إلى قاتل ، بل وأكثر من ذلك فأن أجهزة الأعلام الغربي والأمريكي والتي تسيطر عليها الحركة الصهيونية جعلت من الإرهاب الصهيوني نضالا مشروعا ‘ وجعلت من النضال العربي المشروع إرهابا خطرا .. وإزاء ذلك لا بد من مواجهة ذلك بعمل فلسطيني ثوري ، فكانت الانتفاضة‘ وكان ميلاد دولة فلسطين العربية على أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف..
الإرهاب الصهيوني الرسمي :
فالإرهاب الصهيوني لم يكن وليد ظروف طارئة أو مجرد حالة عابرة حصلت صدفة , إنما هو عقيدة راسخة في نفوس اليهود القدامى الذين عاشوا قبل مأساة المسيح عليه السلام وخلال عهد المسيح وبعد عهد المسيح , ثم ورثها عنهم اليهود الصهاينة الجدد كرد فعل لمعاناة الاضطهاد والتشتت والتشرذم وتدمير الذات , وقد أرسى قواعدها رموز اليهود وأحبارهم وحاخاماتهم الأوائل , وجاء من بعدهم أبو الصهيونية (تيودور هرتزل) وصحبة الأشرار الذين رأوا الإرهاب والعنف والعدوان بمنظار جديد يختلف تماما عن تلك العقيدة في الهدف والسلوك وسبل التنفيذ عما سبقتهم حفنة من أقطاب الإرهاب اليهودي ، حيث وصف (هرتزل) عمليات الإرهاب الصهيوني ضد العرب بمثابة حملة صيد كبيرة ضد الوحوش الضارية .. فقال يعلن بصراحة : بأن العنف والإرهاب هما سلاح أساسي لتحقيق إقامة (الدولة اليهودية) : (إن بناء الدولة اليهودية لا يمكن أن يتم وفق الأسلوب الذي كان يصلح لغرض من هذا النوع قبل ألف عام ، إذ انه من السخف أن نعود إلى الوراء والى المستويات الأولى من الحضارة , مثلما يدعو إلى ذلك بعض اليهود .. لنفترض أننا نريد أن نظهر بلدا من الوحوش الضارية - ( يقصد فلسطين وسكانها العرب) - طبعا لن نحمل القوس والرمح ونذهب فرادى في اثر الدببة مثلما كان الأسلوب في القرن الخامس في أوروبا .. بل سننظم حملة صيد جماعية ضخمة ومجهزة لنطرد الحيوانات ونرمي في وسطهم قنابل شديد الانفجار ) (14).
وبديهي فإن رمز الإرهاب الصهيوني (هرتزل) يقصد ببناء (الدولة اليهودية ) ما معناه - الاستيطان والاستعمار ونشر الهيمنة الصهيونية على فلسطين , في الوقت الذي يزعم أن الحركة الصهيونية هي حركة إنسانية وشرعية وأخلاقية , هدفها إنقاذ اليهود من الاضطهاد والعذاب والضياع .. وجاء من بعده رموز إرهابية أكثر منه تطرفا ونزعة للإرهاب وأشد منه بطشا وتدميرا للغير .. جاءوا من أوروبا إلى فلسطين وقد جلبوا معهم ظاهرة الإرهاب التي مارستها المنظمات الصهيونية الإرهابية في ألمانيا ضد اليهود غير الصهاينة بالتعاون والتنسيق مع أقطاب الإرهاب النازي خلال الحرب العالمية الثانية , فأعادوا ممارستها على المجتمع العربي في فلسطين .
فالإرهابي (موشي شاريت) رئيس وزراء إسرائيل الأسبق وأول وزير خارجيتها يعتبر الإرهاب والانتقام هما من القيم الأخلاقية والمبادئ السامية ، فيقول : (في الثلاثينات عملنا على كبح جماح مشاعر الانتقام لدى اليهود ، أما الآن فأننا على نقيض من ذلك ، نسبغ المبررات والمسوغات على نظام الثأر , حيث نبذنا كل الكوابح الذهنية والأخلاقية التي كانت موضوعة على هذه الغريزة , وأتحنا الفرصة أمام انتهاج العنف والانتقام كقيمة أخلاقية وكمبدأ مقدس) (15) .
أما الإرهابي الكبير (مناحيم بيغن) فقد قفز إلى المرتبة الأولى في تنفيذ وتطبيق عمليات القتل والإرهاب ، فقال في كلمة توجيهية ألقاها على ممثلي الجيش الإسرائيلي قبل بدأ العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 , وكان آنذاك عضوا بالكنيست ما يلي : (وانتم أيها الإسرائيليون يجب ألا تأخذكم الرأفة عندما تقتلون عدوكم .. عليكم الا تشفقوا عليه ما دمنا لم نقض على الحضارة العربية التي سنبني على أنقاضها حضارتنا)، علما أن هذا الإرهابي الكبير لفظ قولا آخر مشحونا بالعنف والإرهاب بعد ميلاد (إسرائيل) أوضح فيه مبررات تنفيذ مجزرة دير ياسين ليلة 8-9/نيسان/1948 بما يلي : (بدون النصر في دير ياسين ما كانت لتكون إسرائيل) (16) ، وبهذا يكون الإرهابي (بيغن) قد وصف عملية ذبح (251) شهيدا عربيا في تلك المجزرة بأنها كانت نصرا , وكانت سببا رئيسا في إقامة (إسرائيل) , ومعنى ذلك انه لولا الإرهاب الصهيوني ضد السكان العرب في فلسطين وذبحهم وطردهم من ديارهم وهدم منازلهم وممتلكاتهم ومصادرة أراضيهم وتهجيرهم بلا رحمة ولا شفقة لما كانت لتقوم (دولة اليهود) في فلسطين ...
الهوامش :
1- محمد سعد هجرس - الارهاب الصهيوني تجسيد الأيديولوجية العنصرية العدوانية - مجلة المنار - العدد 22 و 23 تشرين الثاني 1986- مؤسسة دار التعاون للطباعة والنشر - باريس - ص67.
2- الكاتب اليهودي (هال ليهرمان ) - مجلة العربي - العدد (125) نيسان 1969 - الكويت ص139 .
3- محمد سعد هجرس - المصدر نفسه - ص69 .
4- الباحث (نارايانان) - الصهيونية والعرب الفلسطينيين - الصهيونية والعنصرية - المجلد الأول - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - 1977 - بيروت - ص 370 .
5- الدكتور ( الفريد ليلينتال ) - ثمن اسرائيل - المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر - 1967 - بيروت - ص43 .
6- مجلة العربي - العدد 211 في 10/9/1986 - الكويت - ص38 .
7- الدكتور الفريد ليلينتال - المصدر نفسه - ص96 .
8- الكاتب جياد تركي - الكيان الصهيوني والأرهاب - صحيفة الجمهورية العراقية - 5/11/1988 - بغداد - ص2 .
9- الدكتور محمد ربيع - أزمة الفكر الصهيوني - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - نيسان - 1979 - بيروت - ص168 .
10- الباحث المصري وحيد عبد المجيد - الإرهاب الدولي وإرهاب الدول - مجلة العربي - العدد - 232 - تموز 1986- الكويت - ص60 .
11- الباحث المصري وحيد عبد المجيد - المصدر نفسه - ص61 .
12- زدرافكو فيليب ، الصهيونية والسكان العرب - الصهيونية والعنصرية - المجلد الأول - من الأرشيف الصهيوني - ، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية ، 1975 ، بيروت ، ص 83 .
13- المصدر نفسه - ص 84.
14- محمد سعيد هجرس - مصدر سابق - ص66.
15- محمد سعد هجرس - المصدر نفسه - ص75.
16- الدكتور محمد ربيع - مصدر سابق - ص172.
|